الآلوسي
16
تفسير الآلوسي
كانت المغفرة مشروطة بالتوبة كما لا يخفى ، وكذا ما أخرجه ابن جرير عن ابن سيرين قال : قال علي كرم الله تعالى وجهه أي آية أوسع ؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن * ( من يعمل سوأ أو يظلم نفسه ) * ( النساء : 110 ) الآية ونحوها فقال علي كرم الله تعالى وجهه : ما في القرآن أوسع آية من * ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) * ( الزمر : 53 ) الآية . والمؤكدات السابقة أعني السبعة عشر لا يخلو بعضها عن بحث ، والظاهر أن مغفرة ذنب لا تجامع العذاب عليه أصلاً ، وذهب بعضهم إلى أنها تجامعه إذا كان انقض من الذنب لا إذا كان بمقداره فمن عذب بمقدار ذنبه في النار ، وأخرج منها لا يقال إنه غفر له إذ السيئات إنما تجزى بأمثالها ، وقيل : تجامعه مطلقاً وكون السيئات لا تجزى إلا بأمثالها بلطفه تعالى أيضاً فهو نوع من عفوه عز وجل وفيه ما فيه فتأمل ، وأصل الإنابة الرجوع . ومعنى * ( وأنيبوا إلى ربكم ) * ( الزمر : 54 ) الخ أي ارجعوا إليه سبحانه بالإعراض عن معاصيه والندم عليها ، وقيل : بالانقطاع إليه تعالى بالعبادة وذكر الرب كالتنبيه على العلة ، وقال القشيري : الإنابة الرجوع بالكلية ، والفرق بين الإنابة والتوبة أن التائب يرجع من خوف العقوبة والمنيب يرجع استحياء لكرمه تعالى ، والإسلام له سبحانه الإخلاص في طاعاته عز وجل ، وذكر أن الإخلاص بعد الإنابة أن يعلم العبد أن نجاته بفضل الله تعالى لا بإنابته فبفضله سبحانه وصل إلى إنابته لا بإنابته وصل إلى فضله جل فضله . وعن ابن عباس من حديث أخرجه ابن جرير . وابن المنذر عنه " من آيس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله تعالى ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله تعالى عليه " . * ( واتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) * . * ( واتَّبعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزلَ إلَيْكُم مِّنْ رَّبِّكُمْ ) * الظاهر أنه خطاب للعباد المخاطبين فيما تقدم سواء أريد بهم المؤمنون أو ما يعمهم والكافرين ، والمراد بما أنزل القرآن وهو كما أنزل إلى المؤمنين أنزل إلى الكافرين ضرورة أنه أنزل عليه صلى الله عليه وسلم لدعوة الناس كافة ، والمراد بأحسنه ما تضمن الإرشاد إلى خير الدارين دون القصص ونحوها أو المأمور به أو العزائم أو الناسخ ، وأفعل على الأول والثالث على ظاهره وعلى الثاني والرابع فيه احتمالان ؛ وقيل : لعل الأحسن ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة وأفعل فيه على ظاهره أيضاً ، وجوز أن يكون الخطاب للجنس ، والمراد بما أنزل الكتب السماوية وبأحسنه القرآن ، وفيه ارتكاب خلاف الظاهر ، وفي ذكر الرب ترغيب في الاتباع * ( منْ قَبْل أَنْ يَّأْتيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً ) * أي فجأة * ( وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) * لا تعلمون أصلاً بمجيئه فتتداركون ما يدفعه * ( أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) * . * ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) * في موضع المفعول له بتقدير مضاف ، وقدره الزمخشري كراهة وهو منصوب بفعل محذوف يدل عليه ما قبل أي أنذركم وأمركم بأحسن ما أنزل إليكم كراهة أن تقول ، ومن لا يشترط للنصب اتحاد الفاعل يجوز كون الناصب * ( أنيبوا ) * أو * ( اتبعوا ) * وأياً ما كان فهذه الكراهة مقابل الرضا دون الإرادة فلا اعتزال في تقديرها ، وهو أولى من تقدير مخافة كما فعل الحوفي حيث قال : أي أنذرناكم مخافة أن تقول ، وابن عطية جعل العامل * ( أنيبوا ) * ولم يقدر شيئاً من الكراهة والمخافة حيث قال : أي أنيبوا من أجل أن تقول ، وذهب بعض النحاة إلى أن التقدير لئلا تقول ؛ وتنكير * ( نفس ) * للتكثير بقرينة المقام كما في قول الأعشى : ورب بقيع لو هتفت بجوه * أتاني كريم ينفض الرأس مغضباً فإنه أراد أفواجاً من الكرام ينصرونه لا كريماً واحداً ، وجوز أن يكون للتبعيض لأن القائل بعض الأنفس واستظهره أبو حيان ، قيل : ويكفي ذلك في الوعيد لأن كل نفس يحتمل أن تكون ذلك ، وجوز أيضاً أن